مجد الدين ابن الأثير
360
المختار من مناقب الأخيار
يوم مثل هذا بارد وأنت فقريب من المثلوج ، أجيئك بغيره . قال : هذا فضول منك ، هاتي ما أقوله لك . فجئته بخبز ولبن في قدح ووضعته بين يديه ، وجعلت بين يديه خرقة في نار ، فجعل يقلّب النار بيده ويستدفئ ، ثم أخذ يأكل الخبز باللبن ، وكان إذا أخذ لقمة يسيل اللبن على ذراعه ، فيغسل سواد الدخان من ذراعه ، فقلت في نفسي : يا ربّ ! ما أوضر أولياءك ! ترى ما فيهم واحد نظيف الثوب والبدن ؟ وخرجت من عنده وجلست على دكّان « 1 » بالقرب من مسجد إبراهيم الخوّاص ، وإلى جانبه بالقرب منه مجلس صاحب الشّرطة ؛ فبينا أنا جالسة إذا بامرأة قد ضربت بيدها إليّ وقالت : رزمتي « 2 » أخذتها الساعة من بين يديّ ، ما أخذها غيرك . واجتمع علينا الناس ، والمرأة تصيح : ما أخذ رزمتي غيرها . واتصل الكلام إلى صاحب الشّرطة ، فجاء أصحاب الشّرطة فحملوني والمرأة معي متعلّقة بي ، فوجّه بنا صاحب الشرطة إلى الوالي ، وبلغ ذلك النّوري ، فخرج من المسجد ، وجاء على إثرنا فلحقنا ونحن بين يدي الوالي ، والمرأة تدّعي عليّ رزمتها ؛ فدخل النوري فقال « 3 » : لا تتعرّض لهذه المرأة فإنّها بريئة . وعرّف الوالي بأبي الحسين النوري ، فصاح الوالي : ما حيلتي ومعها خصمها ؟ فقال له النّوري : قد عرّفتك وأنت أعلم . وخرج فبيناهم كذلك إذا بجارية سوداء قد أقبلت وقالت : يا امرأة ! خلّي عنها ، فقد حملت أنا الرّزمة إلى البيت . قالت : ومن أين أخذتها ؟ قالت : من بين يديك . فأخذ النّوري بيدي وقال : قولي أنت ما أوضر أولياءك « 4 » !
--> ( 1 ) الدّكّان : الدّكّة التي تبنى من الطّين للجلوس عليها ، مسطّحة الأعلى . اللسان ( دكك ، دكن ) . ( 2 ) الرّزمة : ما شدّ في ثوب واحد من ضروب الثياب . القاموس ( رزم ) . ( 3 ) في تاريخ بغداد : « فقال للوالي » . ( 4 ) تاريخ بغداد 5 / 134 ، 135 . وبنحوه في المنتقى لابن خميس 96 / ب ، 97 / أ .